الشيخ محمد النهاوندي
106
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
ثمّ أظهر سبحانه عظمة عذابه ، والتعجّب منه ، ومن كيفية إنذاراته بقوله : فَكَيْفَ كانَ يا محمد ، أو أيّها الناس بعد اطّلاعهم على غرق أهل الأرض عَذابِي في العظمة والشدّة وَنُذُرِ ي ومواعظي التي أنزلتها إليكم في الكثرة والكمال ، أو رسلي في عظمة الشأن ، والصبر على اذي قومهم ، وصدق مواعيدهم ، فاصبر أنت يا محمد ، فانّ عاقبة أمرك كعاقبة أولئك الرسل وَ تاللّه لَقَدْ يَسَّرْنَا وسهّلنا الْقُرْآنَ النازل عليكم ، بأن جعلناه بلسانكم ، وصرفنا فيه من أنواع المواعظ والوعيد لِلذِّكْرِ والاتّعاظ ، حيث أتينا فيه بكلّ حكمة ، أو للحفظ على ظهر القلب فَهَلْ منكم مِنْ مُدَّكِرٍ ومتعظ بالقرآن ، أو حافظ له . ثمّ وعظ سبحانه بذكر قصّة قوم عاد بقوله تعالى : كَذَّبَتْ قوم هود ، واسمهم عادٌ بجميع الرسل ، وإنّما لم يذكر سبحانه هنا تكذيبهم هودا للاختصار ، وإنّما ذكر فيما قبل اسم نوح وتكذيبه « 1 » لبيان شأنه ، وطول مدّة دعوته ، وتحمّله أذى قومه ، كذا قيل « 2 » . ثمّ سأل سبحانه عن كيفية تعذيبهم ، توجيها للسامعين إلى إصغاء ما يلقى إليهم بقوله فَكَيْفَ كانَ أيّها المستمعون عَذابِي النازل عليهم وَنُذُرِ ي لهم ، وتخويفاتي إياهم ؟ ثمّ كأنّه قيل : بيّن لنا يا رب كيف كان عذابهم ، فقال : إِنَّا أَرْسَلْنا وسلّطنا عَلَيْهِمْ غضبا وسخطا رِيحاً صَرْصَراً شديدة الصوت والهبوب ، أو باردة فِي يَوْمِ نَحْسٍ وشؤم مُسْتَمِرٍّ شؤمه عليهم ، أو إلى آخر الدهر ، وهو آخر أربعاء من الشهر . عن ابن عباس : آخر أربعاء في الشهر يوم نحس مستمر « 3 » . وعن الباقر عليه السّلام : « أنّه كان في يوم الأربعاء ، في آخر الشهر لا يدور » « 4 » . وعن الصادق عليه السّلام : « الأبعاء يوم نحس مستمر ؛ لأنّه أول يوم وآخر يوم من الأيام التي قال اللّه عزّ وجلّ : سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً » « 5 » . وكانت شدّة تلك الريح بحيث تَنْزِعُ النَّاسَ وتقلعهم من الأرض ، وتضرعهم موتى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ وأصوله مُنْقَعِرٍ ومنقلع عن مغرسه ، أو ذاهب في قعر الأرض . روى الكلبي « 6 » : أنّه كان طول كلّ واحد سبعين ذراعا ، فاستهزءوا حين ذكر لهم الريح ، فخرجوا إلى الفضاء ، وضربوا بأرجلهم وغيبوها في الأرض إلى قريب من الرّكبة ، فقالوا لهود : قل للريح حتى ترفعنا ، فجاءت الريح ، فدخلت تحت الأرض ، وجعلت ترفع كلّ اثنين ، وتضرب أحدهما بالآخر
--> ( 1 ) . أي تكذيبهم إياه . ( 2 ) . تفسير الرازي 29 : 43 . ( 3 ) . تفسير روح البيان 9 : 275 . ( 4 ) . مجمع البيان 9 : 287 ، تفسير الصافي 5 : 102 . ( 5 ) . علل الشرائع : 381 / 2 ، تفسير الصافي 5 : 101 ، والآية من سورة الحاقة : 69 / 7 . ( 6 ) . في النسخة : الكليني .